يرصد الكاتب مصطفى الخضري في هذا المقال كيف استُخدمت نصوص دينية وتفسيرات توراتية عبر عقود لتبرير تصورات إقليمية تُدرج سيناء ضمن حدود ما يُعرف بـ«أرض إسرائيل» أو «إسرائيل الكبرى»، وكيف تداخلت هذه الرؤى مع مشاريع سياسية واستيطانية صهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وصولًا إلى النقاشات الإسرائيلية المعاصرة بشأن سيناء ومصر.
 

ويبحث مصطفى الخضري في مقال نشره نون بوست في جذور هذه التصورات وتطورها التاريخي، بدءًا من رؤية تيودور هرتزل لسيناء والعريش، مرورًا بالاحتلال الإسرائيلي لشبه الجزيرة عام 1967، وانتهاءً بانسحاب إسرائيل منها بموجب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، مع طرح سؤال أساسي: هل لا تزال فكرة إدراج مصر أو سيناء ضمن «إسرائيل الكبرى» مجرد تصور أيديولوجي، أم يمكن أن تتحول إلى هدف سياسي أو عسكري؟


تستند بعض هذه الرؤى إلى سفر التكوين، ولا سيما الآية التي تتحدث عن الأرض الممتدة «من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات». وبعد انتصار إسرائيل في حرب 1967، استشهد وزير الدفاع الإسرائيلي الراحل موشيه ديان بهذه الرؤية الدينية في حديثه عن الأرض التي يرى أن التوراة تحددها للشعب اليهودي.


ويشير المقال إلى أن موقع «الكتاب المقدس الإسرائيلي»، الذي تأسس عام 2018، يقدم قراءة مشابهة للنصوص التوراتية، ويربط بين «أرض إسرائيل» ومفهوم «إسرائيل الكبرى». ويعرض الموقع خرائط وتفسيرات تقول إن حدود الأرض، وفق الرواية التوراتية، امتدت في أوجها إلى أجزاء من مصر والأردن وسوريا.


لكن تحديد المقصود بـ«نهر مصر» محل خلاف ديني ولغوي. فبعض الباحثين يربطونه بوادي العريش، وهو مجرى مائي موسمي يقع بين سيناء وفلسطين التاريخية، وليس بنهر النيل. وترى قراءة أخرى أن المناطق التي عاش فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب لم تتجاوز نطاقًا جغرافيًا أكثر محدودية بين شكيم ونابلس وبئر السبع. ووفق هذا التفسير، فإن الحدود الأوسع الواردة في سفر التكوين تمثل تصورًا نظريًا لم يتحقق حتى خلال أوج الممالك الإسرائيلية القديمة.


ورغم هذا الخلاف، استُخدمت إحدى القراءات التوراتية سياسيًا داخل الحركة الصهيونية منذ ظهورها في أواخر القرن التاسع عشر. وتنقل المادة عن المؤرخة المصرية زبيدة عطا أن مفكرين صهاينة تعاملوا، منذ مطلع القرن العشرين، مع سيناء بوصفها منطقة قابلة لإعادة التشكيل وجزءًا مهمًا من نطاق نفوذ المشروع الصهيوني. كما ظهرت في بعض الكتابات الصهيونية المبكرة تعبيرات مثل «فلسطين المصرية» و«جنوب فلسطين»، بما عكس محاولات لتصور حدود تشمل سيناء رمزيًا ضمن «إسرائيل الكبرى».

 


هرتزل ومشروعات الاستيطان في سيناء


تعود المحاولات العملية لاستغلال سيناء في المشروع الصهيوني إلى فترة مبكرة من تاريخ الحركة. فقد ناقش تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، مع مسؤولين بريطانيين مشروعًا لإقامة مستوطنة يهودية في منطقة العريش وسيناء. وطرح تصورًا لمنطقة أطلق عليها «فلسطين المصرية»، تمتد من البحر المتوسط شمالًا إلى الحدود العثمانية شرقًا ووادي العريش جنوبًا وقناة السويس غربًا، وهي منطقة تتداخل بدرجة كبيرة مع سيناء الحالية.


ورأى الصهاينة في ذلك الوقت أن المنطقة قليلة السكان وهامشية ويمكن استخدامها للاستيطان، فيما اعتبرها بعضهم جزءًا من التصور التوراتي لـ«أرض إسرائيل». كما تصور هرتزل إمكانية استخدامها منطقة عبور مؤقتة للمهاجرين اليهود إلى حين التوصل إلى ترتيبات تسمح بانتقالهم إلى فلسطين.


وفي عام 1902، عرض هرتزل على وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين مشروعًا للاستيطان اليهودي يشمل قبرص والعريش وسيناء. وبعد إسقاط قبرص من الخطة، واصل هرتزل اتصالاته بشأن سيناء، فسافر إلى مصر والتقى الخديوي عباس حلمي الثاني، كما زار العريش والمناطق المحيطة بها.


واقترح هرتزل استئجار نحو 630 ميلًا مربعًا حول العريش لإقامة مستوطنة يهودية أولية، على أن تستأجرها المنظمة الصهيونية لمدة 99 عامًا تحت حماية بريطانية مباشرة. لكن اعتراضًا أكثر أهمية جاء من المندوب البريطاني في مصر، اللورد كرومر، بعدما خلص مهندسون بريطانيون إلى أن المشروع سيحتاج إلى نقل مياه النيل عبر أنفاق أسفل قناة السويس، وهو ما قد يؤثر في الزراعة المصرية وإنتاج القطن.


ورأى كرومر أن المشروع غير عملي، كما خشي من تداعياته السياسية وإمكانية إثارة المشاعر الوطنية والدينية في مصر وفلسطين. ومع تعثر مشروع سيناء، اتجهت بريطانيا إلى دعم مشروع استيطاني يهودي في شرق أفريقيا، وهو ما عُرف لاحقًا بمشروع أوغندا.


لكن فكرة سيناء لم تختفِ. فقد عاد الصهيوني ديفيد تريتسش إلى تصور «فلسطين الكبرى» التي تشمل قبرص وسيناء والعريش، بينما ظهرت لاحقًا محاولات أخرى لإقامة مستوطنات في المنطقة.


وفي مطلع القرن العشرين، استغل بعض الوسطاء ورجال الأعمال حالة الغموض التي أحاطت بالحدود بين مصر والدولة العثمانية. وكان ألكسندر كنيازيفيتش، وهو يهودي بريطاني شغل منصب نائب القنصل البريطاني في غزة، يعمل أيضًا في التجارة وشحن البضائع ووساطة الأراضي، ولديه علاقات واسعة مع سكان غزة والعريش والقبائل البدوية.


وسعى كنيازيفيتش إلى مساعدة منظمات صهيونية في الحصول على أراضٍ شرق رفح، واقترب من تأمين نحو 50 ألف دونم لصالح جهات صهيونية، بحسب البحث الذي يستند إليه المقال. لكن أزمة العقبة عام 1906، ثم اعتراض السلطات البريطانية على المشروع، عرقلا المحاولة.


وفي عام 1913، تدخلت بريطانيا لوقف معاملات شراء الأراضي بعدما خلصت إلى أن بعض الأراضي التي اشتراها كنيازيفيتش من زعماء قبائل مملوكة للدولة ولا يجوز بيعها. وانتهى المشروع، قبل أن تؤدي الحرب العالمية الأولى إلى تغيرات إقليمية واسعة عززت النفوذ البريطاني وفتحت مسارات جديدة أمام الحركة الصهيونية.

 


من احتلال سيناء إلى الانسحاب الإسرائيلي


بعد الحرب العالمية الأولى، تركز المشروع الصهيوني بصورة أكبر على فلسطين، بينما أصبحت حدود مصر أكثر رسوخًا عقب استقلالها وإعلان المملكة المصرية عام 1922. وتعاملت الملكية والبرلمان المصريان مع سيناء باعتبارها جزءًا من الدولة، رغم محدودية التنمية فيها مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.


وفي عام 1948، دخلت القوات المصرية سيناء في طريقها إلى الحرب في فلسطين، قبل أن تعود عقب هزيمة مصر. وبعد قيام إسرائيل وتغير النظام السياسي في مصر عام 1952، أصبحت القاهرة تتعامل مع دولة إسرائيل القائمة بدلًا من حركة تسعى إلى تأسيسها.


ويرى المؤرخ إيلان بابيه، وفق ما ينقله المقال، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفيد بن جوريون اعتبر احتلال مصر بصورة دائمة أو ضم أجزاء واسعة منها أمرًا بالغ الصعوبة والتكلفة، بالنظر إلى حجم السكان المصريين ومكانة مصر الإقليمية.


لكن حكومة بن جوريون سعت لفترة قصيرة إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على سيناء. وبعد العدوان الثلاثي عام 1956، أعلن بن جوريون قيام ما وصفه بـ«مملكة إسرائيل الثالثة»، مستحضرًا العودة إلى جبل سيناء. واضطرت إسرائيل لاحقًا إلى الانسحاب تحت ضغط الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.


وفي حرب 1967، احتلت إسرائيل سيناء بالكامل، إلى جانب الضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان. لكن مسار سيناء اتخذ لاحقًا اتجاهًا مختلفًا عن الضفة الغربية والجولان.


فقد طرح وزير العمل الإسرائيلي يغآل ألون خطة غير رسمية للأراضي المحتلة، دعا فيها إلى الاحتفاظ بمناطق استراتيجية في الضفة الغربية، مع إعادة معظم سيناء إلى مصر، والإبقاء على شريط ساحلي يمتد من إيلات إلى شرم الشيخ. ولم تعتمد الحكومة الخطة رسميًا، لكنها أثرت في بعض التصورات الإسرائيلية اللاحقة.


ومع وصول مناحيم بيجن إلى السلطة عام 1977، تغيرت المقاربة السياسية. فقد اعتبر بيغن الضفة الغربية، التي سماها «يهودا والسامرة»، جزءًا لا ينفصل عن «أرض إسرائيل»، بينما تعامل مع سيناء باعتبارها أرضًا احتُلت خلال حرب حديثة ويمكن التفاوض بشأنها.


وأفضت المفاوضات إلى اتفاقيات كامب ديفيد ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وانسحبت إسرائيل من سيناء. وعادت طابا إلى السيادة المصرية عام 1989 بعد اللجوء إلى التحكيم الدولي.


ويفسر المقال اختلاف مصير سيناء عن الجولان والضفة الغربية بعوامل سياسية واستراتيجية، إلى جانب الحسابات المرتبطة بكلفة الاحتلال ومكاسب السلام مع مصر. كما يشير إلى أن إسرائيل تخلت عن حقول نفط في سيناء كانت توفر نسبة مهمة من احتياجاتها النفطية، في مقابل ترتيبات اقتصادية وأمنية ودعم أمريكي.


وبحلول العقود التالية، أصبحت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عنصرًا أساسيًا في الحسابات الأمنية الإقليمية. وبعد انتفاضة عام 2011، عادت سيناء إلى دائرة الاهتمام الإسرائيلي مع تصاعد المخاوف من عدم الاستقرار في مصر.


ومع وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2014، تطورت العلاقات الأمنية المصرية الإسرائيلية بصورة أكبر، خصوصًا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء. وحصلت مصر على موافقات استثنائية لنشر قوات ومعدات في المنطقة «ج» بما يتجاوز القيود التي حددتها معاهدة السلام.


لكن الحرب في غزة منذ عام 2023 أعادت التوتر إلى العلاقة. وأثارت التحركات العسكرية المصرية في شمال سيناء مخاوف إسرائيلية، فيما عبّرت القاهرة عن قلقها من تداعيات الحرب ومقترحات نقل الفلسطينيين من غزة.


وفي هذا السياق، عادت سيناء إلى بعض الخطابات السياسية الإسرائيلية، خصوصًا لدى أطراف في اليمين. ففي يوليو 2024، نشر وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو منشورًا يروج لقمصان تحمل خريطة تشمل الضفة الغربية وغزة وسيناء، إلى جانب شعار يدعو إلى «الاحتلال الآن».


كما عادت إلى النقاش فكرة ما يُعرف بـ«خيار سيناء»، وهي مقترحات تقضي بنقل فلسطينيين من غزة إلى أجزاء من سيناء. ونفى مكتب بنيامين نتنياهو في السابق طرح مثل هذه الأفكار، بينما أفادت تقارير لاحقة بأن نتنياهو ناقش الفكرة مع مسؤولين أمريكيين.

 


بين «إسرائيل الكبرى» والواقع السياسي


رغم استمرار بعض التصورات التي تضع سيناء ضمن خرائط «إسرائيل الكبرى»، يخلص المقال إلى أن إدماج مصر أو احتلالها لا يبدو هدفًا استراتيجيًا واقعيًا في المستقبل المنظور، بسبب العوامل الديموجرافية والجيوسياسية والعسكرية التي تميز مصر عن الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حروب سابقة.


وتتمتع مصر بثقل سكاني وعسكري ودبلوماسي يجعل أي محاولة لزعزعة استقرارها ذات تداعيات إقليمية واسعة. كما يؤدي موقعها عند قناة السويس، ودورها الدبلوماسي في المنطقة، واستضافتها أعدادًا كبيرة من اللاجئين، وموقعها على طرق الهجرة نحو أوروبا، إلى جعل استقرارها موضع اهتمام أوروبي ودولي.


وفي المقابل، لا تزال أفكار إعادة احتلال سيناء أو نقل سكان غزة إليها أو التعامل مع مصر باعتبارها خصمًا عسكريًا محتملًا حاضرة في جزء من الخطاب اليميني الإسرائيلي. وقد تتصاعد هذه الخطابات مع اشتداد القتال في غزة أو ارتفاع التوتر على الحدود المصرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولها إلى سياسة حكومية فعلية.


ويشير المقال كذلك إلى أن أفكار «إسرائيل الكبرى» التي تمتد نحو سوريا والعراق والأردن استمرت في الخطاب السياسي الإسرائيلي، وبرزت مجددًا في تصريحات سياسية خلال السنوات الأخيرة. لكن استمرار الفكرة في الخرائط والنصوص والخطاب السياسي لا يعني بالضرورة قابليتها للتحول إلى مشروع قابل للتنفيذ.


وتبقى سيناء حالة مختلفة داخل هذا التصور؛ فقد احتلتها إسرائيل مرتين، لكنها انسحبت منها في نهاية المطاف بعدما غلبت الحسابات السياسية والاستراتيجية كفة الاتفاق مع مصر. ويكشف ذلك أن الأفكار الأيديولوجية لا تعمل بمعزل عن اعتبارات القوة والكلفة والمصلحة السياسية.


وبحسب المقال، قد تبقى فكرة «إسرائيل الكبرى» حاضرة في بعض الخرائط والكتابات والخطابات، حتى عندما لا تكون قابلة للتحقق في الظروف القائمة. فالفكرة السياسية يمكن أن تستمر طويلًا بوصفها تصورًا أيديولوجيًا، ثم تعود إلى الواجهة عندما تتغير موازين القوى أو تظهر ظروف جديدة يراها أصحابها مواتية.

 

 

https://www.noonpost.com/en/384790/amp/